من هذه النظرة العابرة يتبيّن لنا خطا وجهة الذين منعوا تفسير القرآن بالاجتهاد ، وقصروه على المنقول والمأثور ، وقد علمت أدلة الجمهور القويّة ، وتفنيدهم لأدلة المانعين ، ونزيد هنا كلمة للإمام الغزالي ، وأخرى للراغب الأصفهاني ، وثالثة للقرطبي حول جواز تفسير القرآن بالاجتهاد .
كلمة الإمام الغزالي :
قال الغزالي في الإحياء : « إنّ في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ، ومتسعا بالغا ، وإنّ المنقول من ظاهر التفسير ، ليس منتهى الإدراك فيه ، فبطل أن يشترط السماع في التأويل ، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه ، وحدّ عقله . . » « 1 » .
كلمة الراغب الأصفهاني :
وقال الراغب الأصفهاني في مقدمة التفسير - بعد أن ذكر المذهبين وأدلتهما - قال :
« وذكر بعض المحققين أنّ المذهبين هما ( الغلوّ والتقصير ) فمن اقتصر على المنقول فقد ترك كثيرا مما يحتاج إليه ، ومن أجاز لكل أحد الخوض فيه فقد غرّضه للتخليط ، ولم يعتبر حقيقة قوله تعالى :
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 2 »
كلمة الإمام القرطبي :
وقال العلامة القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ما نصّه :
« وقال بعض العلماء : إنّ التفسير موقوف على السماع لقوله تعالى
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ . .
« 3 » الآية ، وهذا فاسد ، لأنّ النهي عن تفسير القرآن لا يخلو إمّا أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط ، أو المراد به أمر آخر ، وباطل أن يكون المراد به ألّا يتكلم أحد في القرآن ، إلّا بما سمعه ، فإنّ الصحابة رضي اللّه عنهم قد قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه ، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم فإنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا لابن عباس فقال « اللهم
هامش
( 1 ) أنظر : الإحياء ، ج 3 ، ص 36 ، 37 .
( 2 ) سورة ص ، الآية : 29 . مقدمة التفسير للراغب ، ص 423
( 3 ) سورة النساء ، الآية : 59 .