بعلم مأذون به من الشارع ، فقد بيّن عليه السلام أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ، فكيف يكون مأجورا إذا لم يكن مسموحا له بالاجتهاد ؟ .
ثانيا : أما الدليل الثاني وهو حديث « من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » فقد ردّ السيوطي بخمسة أدلة عليه فقال جملة ما تحصل في معنى التفسير بالرأي خمسة أقوال :
أحدها : التفسير من غير حصول على العلوم التي يجوز معها التفسير .
الثاني : تفسير المتشابه الذي لا يعلّمه إلّا اللّه تعالى .
الثالث : التفسير المقرّر للمذهب الفاسد ، فيجعل المذهب أصلا ، والتفسير تابعا .
الرابع : الحكم بأنّ مراد اللّه كذا على وجه القطع من غير دليل .
الخامس : التفسير بالاستحسان والهوى « 1 » .
ثالثا : في الرد على الدليل الثالث قالوا : نعم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مأمور بالبيان ولكنه انتقل إلى انتقل إلى جوار اللّه ولم يبيّن لهم كل شيء ، فما ورد بيانه عنه صلّى اللّه عليه وسلم ففيه الكفاية ، وما لم يرد عنه بيانه فلا بدّ فيه من الاجتهاد وإعمال الفكر ، وختام الآية يشهد ذلك
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 2 » فلا بدّ إذا من الفكر والاجتهاد .
رابعا : وفي الرد على الدليل الرابع قالوا : إن إحجام الصحابة إنما كان منهم ( ورعا واحتياطا ) خشية ألا يصيبوا عين اليقين ، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على اللّه بأنه أراد باللفظ كذا فأمسكوا عنه خشية ألا يكون الصواب جانبهم ، وأمّا إذا ترجّح لهم وجه الصواب فإنهم لا يمتنعون ، وهذا أبو بكر الصّديق يفتي في الكلالة برأيه في قوله تعالى
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
« 3 » فيقول رضي اللّه عنه : أقول فيها برأي ، فإن كان صوابا فمن اللّه ، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان الكلالة : ما خلا الوالد والولد .
هامش
( 1 ) أنظر : الإتقان ، ج 2 ص 183 .
( 2 ) سورة النحل ، جزء من الآية : 44 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية : 176 .