العزيز ، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز ، وذلك لا يدرك إلا بهذه العلوم ، فمثلا قوله تعالى
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
« 1 » أي أشربوا حبّ العجل فهو على حذف مضاف . ومثله
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 2 » المراد أهل القرية وقوله تعالى
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 3 » ليس على الحقيقة وإنما هو استعارة فكما يستر اللباس العورة ، ويزيّن الإنسان ويجمّله ، كذلك الرجل والمرأة كل منهما كاللباس لصاحبه يزينه ويكمّله ويجمّله ، وهو من روائع النظم ، وبدائع الكلام ، وإذا حمل الإنسان المعنى على ظاهره ، فسد المعنى ، كما يذكر أن ( الفرنسيين ) أرادوا ترجمة القرآن إلى لغتهم ، فلما وصلوا إلى هذه الآية الكريمة
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
ترجموها بالظاهر ولم يدركوا السّر الدقيق فيها ، فكانت الترجمة كالتالي ( هنّ بنطلونات لكم ، وأنتم بنطلونات لهن ) لأن اللباس عندهم يسمى ( البنطلون ) وهكذا ساء فهمهم ولم يدركوا روعة تعبير القرآن . وقريب من هذا ما وقع لبعض الأعراب حين سمع قوله تعالى
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
« 4 » أخذ عقالين أبيض وأسود وجعل يأكل وينظر إليهما حتى كادت الشمس . أن تطلع ، فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأخبره بذلك فقال له : إنّك لعريض القفا « 5 » إنما ذلك بياض النهار ، وسواد الليل . وفي القرآن الكريم أمثلة كثيرة على الاستعارة والكناية والمجاز ، ولا بد في فهمها من معرفة علم البيان والبديع مثل قوله تعالى عن سفينة نوح
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
« 6 » أي بحفظنا ورعايتنا ، وقوله
قَدَمَ صِدْقٍ
« 7 » و
لِسانَ صِدْقٍ
« 8 » و
جَناحَ الذُّلِّ
« 9 » كل ذلك وأشباهه يحتاج إلى فهم علوم البلاغة وأسرار البيان .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 93 .
( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 82 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 187 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 187 .
( 5 ) عريض القفا : كناية عن البلاهة وسوء الفهم .
( 6 ) سورة القمر ، الآية : 14 .
( 7 ) سورة يونس ، جزء من الآية : 2 .
( 8 ) سورة مريم ، جزء من الآية : 50 .
( 9 ) سورة الإسراء ، جزء من الآية : 24 .