تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أهو مرفوع ينتهي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ أم هو موقوف عند الصحابي أي من كلامه ؟ أم مقطوع عند التابعي ؟ ولا نستطيع أن نميّز حتى يرشدنا السند إلى عين قائله . ومن أوتي حدسه بيانية يدرك هذا الشبه كثيرا ، وقد يلتبس علينا الأمر حين نسمع كلاما رائعا بليغا لأحد الفصحاء فنظنه من كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا قد يكون هناك بعض الشبه بين كلام أفصح من نطق بالضاد وبين كلام بعض النبغاء ، واستمع مثلا إلى هذه الجملة الرائعة ( المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء ، وعوّدوا كل جسم ما اعتاد ) فإنّ الإنسان إذا سمع هذه لم يستبعد أن تكون حديثا لجمالها وصحتها وأسلوبها الأخّاذ ، وربما جزم بأنها حديث شريف مع أنها ليست بحديث إنما هي من كلام طبيب العرب المشهور ( ابن كلدة ) وأما القرآن فذاك له شأن آخر لا يلتبس مع غيره من الكلام ، ولن تستطيع أن تجد له شبيها أو ندا ، لأن الذي صنعه على عينه لن تستطيع أن تجد له شبيها أو ندا ، فكيف يقاس القرآن الكريم بالحديث الشريف في هذا المقام ؟ . ثانيا : ومن ناحية ثانية لو كان هذا القرآن من تأليف محمد صلّى اللّه عليه وسلم لكان ينبغي أن يكون الأسلوب في ( القرآن والسنة ) واحدا ضرورة أنهما صادران عن شخص واحد ، استعداده واحد ، ومزاجه واحد ، مع اننا نجد الفرق بينهما واضحا ، والبون شاسعا ، فأسلوب القرآن ضرب وحده تظهر عليه سمات الألوهية والربوبية التي تجل عن المشابهة والمماثلة ، وأسلوب الحديث الشريف ضرب آخر ، لا يجل عن المشابهة والمماثلة ، بل هو محلّق في جو البيان بقدر الأساليب البشرية الرفيعة ، ولا يستطيع بحال أن يصعد إلى سماء إعجاز القرآن ، وهذا يدركه كل إنسان إذا ما قارن بين الأسلوبين بأبسط نظرة وصدق اللّه حيث يقول :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
« 1 » وصدق اللّه
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، الآية : 27 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 88 .
التبيان في علوم القرآن — صفحة 153 | محمد علي الصابوني