تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وأنصع بيان فقال عزّ من قائل :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 1 » . فهذا الرجل الذين ينسبون إليه تعليم محمد صلّى اللّه عليه وسلم هو رومي أعجمي لا يعرف اللسان العربيّ فكيف يعلمه القرآن ؟ وقد كان ( جبر ) هذا حدّدا يمتهن الحدادة ، وقد أسلم ، فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم كثيرا ما يمر عليه فيجلس عنده ، فقال المشركون : وا صلّى اللّه عليه وسلم ما يعلّم محمدا هذا القرآن إلا جبر الرومي ، وكان سيّده يضربه ويقول له : أنت تعلّم محمدا ، فيقول : لا واللّه ، بل هو يعلمني ويهديني . . ومن الغريب أنّ هذه التّهمة قد لاقت استحسانا عند بعض الأفراد مع أنها في منتهى الغرابة والهزل ، إذ كيف يكون الأستاذ عبدا حدادا أعجميا ، لا يفقه شيئا من اللغة العربية ثم يعلّم الرسول لغة الضاد ! ! وهل من المعقول أن يكون هذا الرومي الأعجمي مصدرا لهذا القرآن الذي هو أبلغ نصوص العربية ، بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية ! ! ولهذا كان ردّ القرآن مفحما وقاطعا
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
. الشبهة الثالثة : إن محمدا عبقريّة فذّة ، وهذه العبقرية الخارقة ، لما ذا لا يمكن أن تكون هي منبع هذه الأخبار ، وأن يكون هذا القرآن من تأليف محمد وترتيبه لأنه ذو شخصية رائعة ؟ ! . والجواب : إن هذا الكلام إنما يصدر عن جاهل لا يعرف شيئا عن حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا عن تاريخ عشيرته وقومه ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلم عاش أربعين سنة بين قومه وهو يشار إليه بالبنان ، في صدقه وأمانته ونبله وفضله ، حتى كان المشركون يلقبونه ب ( الصادق الأمين ) فهل يعقل بعد هذه الحياة الشريفة الطاهرة ، أن يأتي بأعظم بهتان فيزعم أن هذا القرآن من عند اللّه ، وأنه رسول اللّه ؟ ! وبداية الإنسان تدل على نهايته فكيف يتفق هذا مع تاريخ الرسول الشريف الطاهر ، وحياته الفاضلة العطرة ، وحين سأل ( هرقل ) ملك الروم أبا سفيان عن رسول اللّه . هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ أجابه أبو سفيان بقوله : لا ، بل هو عندنا الصادق الأمين ، فقال له
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : 103 .