تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
هرقل : لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على اللّه . ومن ناحية ثانية فقد ثبت في التاريخ ثبوتا قاطعا أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة ، وقد أكّد هذا القرآن بقوله عزّ من قائل
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
« 1 » فمن أين لرسول اللّه معرفة أخبار الأولين من الأنبياء والمرسلين ؟ ومن أين له معرفة دقائق التاريخ وأحوال الأمم الغابرة وأنباء من سبق من البشر على وجه الدقة والتفصيل ، وهو بعد لم يقرأ كتابا ، ولم يدرس علما ، ولم يتلق هذه الأنباء عن أحد من علماء أهل الكتاب ؟ ! . ثم مهما كانت عبقرية الإنسان فذّة ، ونبوغه عظيما ، وذكاؤه وافرا فمن أين له معرفة أمور الغيب ، وأحوال المستقبل ، وهل يمكن لبشر مهما سما أن يخبر عن الغيب بحيث لا يشذ عن أخباره واحدة من هذه المغيّبات إلا أن يكون رسولا صادقا يوحى إليه من عند اللّه ؟ ! إن العقل ليجزم بأن هذا ليس في طوق البشر ، ومهما بلغت العبقرية من النبوغ والذكاء ، ومهما كانت الشخصية قوية ومثالية ، فلن تستطيع أن تخرق أستار الغيب أو تخبر بما ليس في مقدورها وصدق اللّه
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً . .
« 2 » . الشبهة الرابعة : يقولون : إن عجز البشر عن الإتيان بمثل هذا القرآن لا يدلّ على أنه كلام اللّه ، وما هذا إلّا كمثل عجزهم عن الإتيان بمثل ( الكلام النبوي ) فهل يكون كلام الرسول من عند اللّه ؟ أو يقال إنه كلام اللّه ؟ . والجواب : أن الحديث النبوي إن عجز عامة الناس عن الإتيان بمثله فلن يعجز أحد الخاصة عن الإتيان بمثل بعضه ، ولو بمقدار حديث واحد أو سطر واحد من كلامه ، وكلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وإن كان في الذروة العليا من الفصاحة والبلاغة إلا أنه لا يخرج عن كونه كلام بشر ، وقد يشتبه كلام البشر بعضهم مع بعض ، حتى لنجد تشابها بين كلام النبوّة وكلام بعض الخواص من الصحابة ونسمع الحديث فيشتبه علينا أمره :
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 48 . ( 2 ) سورة طه ، الآية : 99 .