جاء القرآن بالعلوم المتنوعة ، والمعارف المتعدّدة ، في العقائد ، والعبادات والتشريع والتنظيم ، وفي الأخلاق والمعاملات ، وفي حقوق شتى ، في التربية ، والتعليم ، وفي السياسة والاقتصاد ، وفي الفلسفة والاجتماع ، وكذلك في القصص والأخبار ، وفي أصول المناظرة والجدل . ولا شك أن هذا الوجه من أظهر وجوه الإعجاز ، فكيف يستطيع رجل أمّي ، لم يقرأ ولم يكتب ولا نشأ في بلد علم وتشريع ، ولا في مدينة ذات حضارة ومدنيّة أن يأتي بمثل ما في القرآن من هذه العلوم والمعارف تحقيقا وكمالا ، مؤيدا بالحجج والبراهين بعد أن قضى معظم حياته لا يعرف شيئا عنها ، ولم ينطق بقاعدة أو أصل منها ، ولا حكم بفرع من فروعها إلا أن يكون ذلك وحيا من اللّه تعالى ؟ ! وأحب أن اقتصر هنا على مثل من هذه العلوم المتنوعة العديدة ، وهو بحث ( العقيدة في القرآن ) وأن أقارن بين تعاليم الإسلام ، وتعاليم اليهودية والنصرانية على عهد نزوله ، ليتبين الصبح لذي عينين ، ونظهر ضياء الحق الساطع ، ونوره الباهر وكما قيل :
( وبضدّها تتميّز الأشياء ) .
العقيدة الإسلامية :
جاء القرآن بعقيدة سمحة صافية ، بيضاء نقيّة ، في ذات اللّه تبارك وتعالى ، وفي حق رسله الكرام ، فاللّه رب العالمين واحد أحد ، فرد صمد ، ليس له والد ولا ولد ، له جميع صفات الكمال ، ومنزّه عن جميع صفات النقص : ( لا ذاته تشبهها الذوات : ولا حكت صفاته الصفات )
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 1 » وهو جلّ وعلا قيّوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يشغله شأن عن شأن
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
« 2 » . . هو الخالق المتفرد بالخلق والايجاد ، وبيده ناصية العباد ، يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، وهو على كل شيء قدير ، الكلّ خلقه والجميع عبيده
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
« 3 » اقرأ إن شئت هذه الآيات الرائعة في صفات اللّه عزّ وجل :
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 11 .
( 2 ) سورة طه ، الآية : 6 .
( 3 ) سورة مريم ، الآية : 93 .