حق ، فلما كان صلح الحديبية خرجوا من المدينة محرمين يسوقون الهدي إلى مكة لا يقصدون حربا ، وإنما يقصدون العمرة والنسك ، ولكنّ قريشا صدتهم ، وكادت تقع الحرب بين المسلمين والمشركين لولا ان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم رضي معهم بالصلح إثارا منه للسّلم وحبا للسلام العام ، وكان من شروط ذلك الصلح ان يرجع الرسول ومن معه من ذلك العام على أن يدخلوا مكة في العام القابل ، واتخذ المنافقون ضعفاء الايمان من ذلك سبيلا إلى الطعن والدسّ واللمز ، حتى قال رئيس المنافقين ( عبد اللّه بن أبيّ ) : واللّه ما حلقنا ، ولا قصّرنا ، ولا رأينا المسجد الحرام ، ولكن نزلت الآية الكريمة تحمل تلك الوعود الثلاثة المؤكدة وهي : دخول مكة ، وأداء النسك ، والأمن من قريش ، على رغم ما هو معروف من غدر قريش ونكثهم العهود ، وتقطيعهم الأرحام ، وقد انجز اللّه وعده فتمّ الأمر ودخل المؤمنون مكة آمنين مطمئنين وفي ذلك يقول القرآن الكريم : .
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ، إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ، لا تَخافُونَ ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً
« 1 » . .
ج - تنبأ القرآن بانهزام المشركين قبل وقوع الحرب وذلك في قوله تعالى في سورة القمر : .
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
« 2 » وسورة القمر مكّية ، والجهاد لم يشرع إلّا في السنة الثانية من الهجرة ، فأين هي إذا فكرة الحرب ، ومن الذي كان يجول بخاطره ان ينهزم جمع المشركين ، وينتصر عليهم المسلمون وهم قلّة في العدد والعدد ؟
ولكنه وعد اللّه لا يخلف . .
روي عن عكرمة أنه قال : لما نزلت هذه الآية
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
هامش
( 1 ) سورة الفتح ، الآية : 27 .
( 2 ) سورة القمر ، الآيات : 44 - 46 .