فصل
فإذا شرع في القراءة ، فليكن شأنه الخشوع ، والتدبّر ، عند القراءة ، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر ، وأشهر وأظهر من أن تذكر ، فهو المقصود والمطلوب ، وبه تنشرح الصدور ، وتستنير القلوب ، قال اللّه عز وجل :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
[ النساء : 82 ] . وقال تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
[ ص : 29 ] والأحاديث فيه كثيرة ، وأقاويل السلف فيه مشهورة .
وقد بات جماعات من السّلف يتلون آية واحدة ، يتدبّرونها ويردّدونها إلى الصباح ، وقد صعق جماعات من السّلف عند القراءة ، ومات جماعات منهم حال القراءة .
روينا عن بهز بن حكيم « 1 » أن زرارة بن أوفى « 2 » التابعيّ الجليل رضي اللّه عنه أمّهم في صلاة الفجر ، فقرأ حتى بلغ :
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 )
[ المدثر ] خرّ ميتا . قال بهز : فكنت فيمن حمله .
وكان أحمد بن أبي الحواري « 3 » رضي اللّه عنه - وهو ريحانة الشام ، كما قال أبو القاسم الجنيد « 4 » رحمه اللّه - إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق .
هامش
( 1 ) هو ابن معاوية بن حيدة ، أبو عبد الملك القشيري ، البصري ، الإمام المحدّث ، توفي قبل الخمسين ومائة . « السير » 6 / 253
( 2 ) هو الإمام الكبير ، قاضي البصرة ، أبو حاجب العامري ، وقد أورد الذهبيّ في « السّير » 4 / 516 ، الخبر الذي ذكره المصنف ، وذكر أن ذلك كان سنة ثلاث وتسعين .
( 3 ) هو شيخ أهل الشام ، الإمام الحافظ ، أبو الحسن الثّعلبي ، أصله من الكوفة . قال يحيى ابن معين : أظنّ أهل الشام يسقيهم اللّه به الغيث . اه . توفي سنة ( 246 ه ) . « السّير » 12 / 85 .
( 4 ) هو ابن محمد بن الجنيد ، أبو القاسم النهاوندي ، ثم البغدادي ، شيخ الصوفية ، تفقه