الأوقات التي يتمكّن منه فيها ، ولا يقنع بالقليل مع تمكّنه من الكثير ، ولا يحمّل نفسه ما لا يطيق ، مخافة من الملل ، وضياع ما حصّل ، وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال .
وإذا حضر إلى مجلس الشيخ ، فلم يجده ، انتظره ، ولازم بابه ، ولا يفوّت وظيفته ، إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك ، بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه ، وأنه لا يقرئ في غيره ، وإذا وجد الشيخ نائما ، أو مشتغلا بمهمّ ، لم يستأذن عليه ، بل يصبر إلى استيقاظه وفراغه ، أو ينصرف ، والصبر أولى ، كما كان ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره يفعلون « 1 » .
وينبغي أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط ، وقوة البدن ، ونباهة الخاطر ، وقلّة الشاغلات ، قبل عوارض البطالة ، وارتفاع المنزلة ، فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : تفقّهوا قبل أن تسوّدوا « 2 » . معناه : اجتهدوا في كمال أهليّتكم وأنتم أتباع قبل أن تصيروا
هامش
( 1 ) أخرجه ابن سعد في « الطبقات » 2 / 367 - 368 ، والحاكم في « المستدرك » 1 / 106 - 107 - وصححه - والخطيب البغدادي في « الجامع لأخلاق الراوي » ( 219 ) من طريق يزيد ابن هارون ، عن جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :
لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قلت لرجل من الأنصار : هلمّ ، فلنسأل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنهم اليوم كثير ، فقال : وا عجبا لك يا ابن عباس ! أترى الناس يفتقرون إليك ، وفي الناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من فيهم ؟ ! قال : فتركت ذلك ، وأقبلت أسأل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الحديث ، فإن كان ليبلغني عن الرجل ، فآتي بابه وهو قائل ، فأتوسّد ردائي على بابه ، تسفي الريح عليّ التراب ، فيخرج ، فيراني ، فيقول لي : يا ابن عمّ رسول اللّه ، ما جاء بك ؟ ألا أرسلت إليّ ، فآتيك ؟ فأقول : لا ، أنا أحقّ أن آتيك . فأسأله عن الحديث . فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني ، وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل مني . اه . وإسناده صحيح .
( 2 ) أخرجه الدارمي ( 250 ) ، والخطيب البغدادي في « الفقيه والمتفقّه » 2 / 78 من طريق ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن الأحنف بن قيس ، عن عمر بن الخطاب ، قوله .