أرأيت القوم يجتمعون ، فيقرئون جميعا سورة واحدة حتى يختموها ؟ فأنكر ذلك وعابه ، وقال : ليس هكذا كان يصنع الناس ، إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه ، فهذا الإنكار منهما « 1 » مخالف لما عليه السّلف والخلف ، ولما يقتضيه الدليل ، فهو متروك ، والاعتماد على ما تقدم من استحبابها ، لكن للقراءة في حال الاجتماع شروط قد بيّنّاها ، ينبغي أن يعتنى بها ، واللّه أعلم .
وأما فضيلة من يجمعهم على القراءة ، ففيها نصوص كثيرة ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« الدالّ على الخير كفاعله » « 2 » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لأن يهدي اللّه بك رجلا ، خير لك من حمر النّعم » « 3 » . والأحاديث فيه كثيرة ، وقد قال اللّه تعالى :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
[ المائدة : 2 ] . ولا شكّ في عظم أجر الساعي في ذلك .
فصل في الإدارة بالقرآن
وهي أن يجتمع جماعة ، يقرأ بعضهم عشرا ، أو جزءا ، أو غير ذلك ، ثم يسكت ، ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول ، ثم يقرأ الآخر . وهذا جائز حسن ، وقد سئل مالك رحمه اللّه عنه ، فقال : لا بأس به .
هامش
( 1 ) لفظة « منهما » من ( أ ) و ( م ) .
( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه الطبراني في « الكبير » 17 / ( 628 ) - ( 632 ) ، وبنحوه أخرجه مسلم ( 1893 ) ، وأبو داود ( 5129 ) ، والترمذي ( 2671 ) وغيرهم من حديث أبي مسعود رضي اللّه عنه ، وانظر تتمة تخريجه في « مسند » أحمد ( 17084 ) .
( 3 ) أخرجه البخاري ( 2942 ) ، ومسلم ( 2406 ) من حديث سهل بن سعد رضي اللّه عنه . قوله :
حمر النّعم ؛ قال المصنف في « شرح مسلم » 15 / 178 : هي الإبل الحمر ، وهي أنفس أموال العرب ، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء ، وأنه ليس هناك أعظم منه ، . . . ، وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا ، إنما هو للتقريب من الأفهام ، وإلا ، فذرّة من الآخرة الباقية ، خير من الأرض بأسرها ، وأمثالها معها ، لو تصوّرت .