التورية في تفسيره الا هذه الإشارة الغامضة ، وهذا راجع إلى أن هذا اللون البديعى لم يكثر في القرآن الذي جرى أسلوبه على أعراق البلاغة الأصيلة ، متسما بوضوح الفطرة الانسانية الصادقة ، ولهذا كانت شواهد الخطيب القرآنية في هذا اللون غير مسلمة له ، إذ أنه ذكر قوله تعالى :
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى »
« 63 » ،
« وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ »
« 64 » ، وهذه من صور البيان ، وقد كره عبد القاهر أن تفسر اليد هنا بالقدرة ، ولهذا قال سعد الدين : « ان الخطيب جرى في هذا على مذهب أهل الظاهر من المفسرين ، وهذا يعنى أنه خالف شيوخ البيان حين اعتبر هذه الأمثلة من التورية » « 65 » .
* * *
7 - المقابلة :
والمقابلة قد تكون بين لفظين متقابلين ، كما في قوله تعالى :
« وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ »
« 66 » يقول الزمخشري : « ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل ، والاشمئزاز أن يمتلئ غما وغيظا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه » ( الكشاف ج 4 ص 102 ) .
وقد تكون المقابلة بمعنى الموافقة في نظم الجمل ، يقول في قوله تعالى :
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً »
« 67 » :
« فان قلت : لم قرن الليل بالمفعول له والنهار بالحال ، وهلا كانا حالين ، أو مفعولا لهما ، فيراعى حق المقابل ؟ قلت : هما متقابلان من حيث
هامش
( 63 ) طه : 5
( 64 ) الذاريات : 47
( 65 ) ينظر المطول ص 425 ، 426 وبغية الايضاح ج 4 ص 29 ، 30
( 66 ) الزمر : 45
( 67 ) غافر : 61