قوله :
« اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي »
ما جدواه والكلام بدونه مستتب ؟ قلت : قد أبهم الكلام أولا فقيل : اشرح لي ويسر لي ، فعلم أن ثم مشروحا وميسرا ، ثم بين ورفع الابهام بذكرهما ، فكان آكد لطلب الشرح والتيسير لصدره وأمره من أن يقول : اشرح صدري ويسر أمرى ، على الايضاح الساذج ، لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريق الاجمال والتفصيل » « 48 » .
ويشير إلى حذف أحد أقسام المفصل أو التفصيل ، ودلالة المذكور على المحذوف ، يقول في قوله تعالى :
« لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ، وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
« 49 » : « فان قلت : التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد ، قلت : هو مثل قولك :
جمع الامام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ، ومن خرج عليه نكل به ، وصحة ذلك لوجهين ، أحدهما أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني ، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا : فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به ، والثاني وهو أن الاحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلا في جملة التنكيل بهم ، فكأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب اللّه » « 50 » .
والبعض لم ير حذفا في المفصل كما ذكر الزمخشري ، لأن قوله :
« فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً »
شامل للمستنكف وغير المستنكف ، وذكر عيسى عليه السلام والملائكة يرشح هذا . وقد أشار إلى ذلك ابن المنير وهو على حق . نعم ان المثال الذي ذكره صالح لهذا النوع الذي
هامش
( 48 ) الكشاف ج 3 ص 47 .
( 49 ) النساء : 172
( 50 ) الكشاف ج 1 ص 464