تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
( 93 ) [ الأنعام ] فقول الملائكة : اليوم تجزون عذاب الهون ، المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت . ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
( 50 ) [ الأنفال ] ، فهذه الإذاقة هي في البرزخ ، وأولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله :
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
وهو في القول المحذوف مقولة لدلالة الكلام عليه كنظائره وكلاهما واقع وقت الوفاة . وفي « الصحيح » عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه في قوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ إبراهيم : 27 ] قال : نزل في عذاب القبر « 1 » . والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر . والمقصود : أن اللّه - سبحانه - أخبر أن من أعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه ، لا يضل ولا يشقى ، فإن له معيشة ضنكا ، وتكفل لمن حفظ عهده أن يحييه حياة طيبة ويجزيه أجره في الآخرة ، فقال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 97 ) [ النحل ] فأخبر - سبحانه - عن فلاح ما تمسك بعهده علما وعملا في العاجلة بالحياة الطيبة ، وفي الآخرة بأحسن الجزاء ، وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ، ونسيانه في العذاب بالآخرة وقال سبحانه :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
( 37 ) [ الزخرف ] ، فأخبر - سبحانه - أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به ، إنما كان بسبب إعراضه وعشوّه عن ذكره الذي أنزله على رسوله ، فكان عقوبة هذا الإعراض أن قيض له شيطانا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب أنه مهتد ، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه وعاين هلاكه وإفلاسه قال :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
( 38 ) [ الزخرف ] ، وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر اللّه ، فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة . فإن قيل : فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى ، كما قال تعالى :
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
[ الأعراف : 30 ] . قيل : لا عذر لهذا وأمثاله من الضّلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو ظن أنه مهتد فإنه مفرط
هامش
( 1 ) البخاري ( 1369 ) في الجنائز ، باب ما جاء في عذاب القبر .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 486 | ابن قيم الجوزية