وأيضا قال تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
( 126 ) [ طه ] ، أي : تنسى في العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها . وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذكر الذي أنزله ، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه ، وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه ، وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ، ونعمه ، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى ، فإن الذكر في الآية إما مصدر مضاف إلى الفاعل ، أو مضاف إضافة الأسماء المحضة ، أي : من أعرض عن كتابي ولم يتله ، ولم يتدبره ، ولم يعمل به ، ولا فهمه ، فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مضيقة عليه منكدة معذبا فيها .
والضنك : الضيق والشدة والبلاء . ووصف المعيشة نفسها بالضنك مبالغة ، وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ ، والصحيح : أنها تتناول معيشته في الدنيا وحاله في البرزخ ، فإنه يكون في ضنك في الدارين ، وهو شدة وجهد وضيق . وفي الآخرة ينسى في العذاب . وهذا عكس أهل السعادة والفلاح ، فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة ، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب « 1 » .
سلط اللّه تعالى عليهم « 2 » من أزال ملكهم ، وشردهم من أوطانهم ، وسبى ذراريهم ، كما هي عادته - سبحانه - وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي ، وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم ، كما سلط النصارى على بلاد المغرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق ، واشتغلوا بها ، فاستولت النصارى على أكثر بلادهم ، وأصاروهم رعية لهم . وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد الشرق ، سلط عليهم عساكر التتار ، فأبادوا أكثر البلاد الشرقية ، واستولوا عليها . وكذلك في أواخر المائة الثالثة ، وأول الرابعة ، لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد ، سلط عليهم القرامطة الباطنية ، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات ، واستولوا على الحاج ، واستعرضوهم قتلا وأسرا ، واشتدت شوكتهم ، واتهم بموافقتهم في الباطن كثير من الأعيان ، من الوزراء والكتاب ، والأدباء وغيرهم ، واستولى أهل دعوتهم على بلاد المغرب ، واستقرت دار مملكتهم بمصر « 3 » ، وبنيت في أيامهم
هامش
( 1 ) الوابل الصيب ( 59 ) .
( 2 ) أي : بنو إسرائيل .
( 3 ) هم العبيديون المدعون كذبا وزورا أنهم فاطميون . وجدهم الذي دخل إلى المغرب ، وأظهر دعوته هو