وأما حديث أبي الدرداء ، سجدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إحدى عشرة سجدة ، ليس فيها من المفصل شيء : ( الأعراف ) ، و ( الرعد ) و ( النحل ) ، و ( بني إسرائيل ) ، و ( مريم ) ، و ( الحج ) ، و ( سجدة الفرقان ) ، و ( النمل ) ، و ( السجدة ) ، و ( ص ) ، و ( سجدة الحواميم ) . فقال أبو داود :
روى أبو الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إحدى عشرة سجدة ، وإسناده واه « 1 » .
وأما حديث ابن عباس رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة . رواه أبو داود « 2 » ، فهو حديث ضعيف ، في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد ، لا يحتج بحديثه . قال الإمام أحمد : أبو قدامة مضطرب الحديث . وقال يحيى بن معين :
ضعيف . وقال النسائي : صدوق عنده مناكير . وقال أبو حاتم البستي : كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه . وعبد اللّه ابن القطان بمطر الوراق ، وقال : كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعيب على مسلم إخراج حديثه . انتهى كلامه .
ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه ؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه ، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه ، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة ، ومن ضعف جميع حديث سيئ الحفظ ، فالأولى : طريقة الحاكم وأمثاله . والثانية : طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله . وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن ، واللّه المستعان .
وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
( 1 ) [ العلق ] ، وفي
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
( 1 ) [ الانشقاق ] « 3 » ، وهو إنما أسلم بعد مقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة بست سنين أو سبع ، فلو تعارض الحديثان من كل وجه ، وتقاوما في الصحة ؛ لتعين تقديم حديث أبي هريرة ؛ لأنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس ، فكيف وحديث أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته ، وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه . واللّه أعلم « 4 » .
سجود التلاوة في الانشقاق
عمل أهل المدينة الذي كأنه رأي عين في سجودهم في :
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
( 1 ) أول
هامش
( 1 ) الترمذي ( 568 ) في الصلاة ، باب : ما جاء في سجود القرآن ، وابن ماجة ( 1056 ) في إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب : عدد سجود القرآن ، وفي الزوائد : « في إسناده عثمان بن فائد ، وهو ضعيف » .
( 2 ) أبو داود ( 1403 ) في الصلاة ، باب : من لم ير السجود في المفصل ، وضعفه الألباني .
( 3 ) مسلم ( 578 / 109 ) في المساجد ومواضع الصلاة ، باب : سجود التلاوة .
( 4 ) زاد المعاد ( 1 / 362 - 364 ) .