بإعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه ، وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها ، فذاك له حكم آخر . والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول ، وأما الثاني فإن اللّه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه ، كما قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] ، وقال تعالى في أهل النار :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
( 76 ) [ الزخرف ] ، وقال تعالى :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
( 59 ) [ الزمر ] وهذا كثير من القرآن .
وقوله تعالى :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
( 125 ) [ طه ] : اختلف فيه : هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر . والذين قالوا : هو من عمى البصيرة ، إنما حملهم على ذلك قوله :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
[ مريم : 38 ] .
وقوله :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( 22 ) [ ق ] ، وقوله :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
( 22 ) [ الفرقان ] ، وقوله :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
( 7 ) [ التكاثر ] ونظائر هذا مما يثبت لهم الرؤية في الآخرة ، كقوله تعالى :
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
[ الشورى : 45 ] ، وقوله :
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
( 15 ) [ الطور ] ، وقوله :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
( 53 ) [ الكهف ] ، والذين رجحوا أنه من عمى البصر قالوا :
السياق لا يدل إلا عليه ؛ لقوله :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
( 125 ) [ طه ] ، وهو لم يكن بصيرا في كفره قط ، بل قد تبين له حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق ، فكيف يقول : وقد كنت بصيرا ؟ وكيف يجاب بقوله :
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[ طه : 126 ] ، بل هذا الجواب فيه تنبيه على أنه من عمى البصر ، وأنه جوزي من جنس عمله ؛ فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث اللّه به رسوله ، وعميت عنه بصيرته ، أعمى اللّه بصره يوم القيامة ، وتركه في العذاب كما ترك الذكر في الدنيا ، فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة ، وعلى تركه ذكره تركه في العذاب « 1 » .
هامش
( 1 ) مفتاح دار السعادة ( 46 - 49 ) .