كانت مرادة ، فهي ثابتة في نفس الأمر ، أو أوهم أنها مرادة لضرب من المصلحة .
فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن ، وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ، ويجدونه في صدورهم . ولا تجد مبتدعا في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته . فتدبر هذا المعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء « 1 » .
جزاء المعرض عن القرآن
قال تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
[ طه : 124 ] أي عن الذكر الذي أنزلته ، فالذكر هنا مصدر مضاف إلى الفاعل ، كقيامي وقراءاتي ، لا إلى المفعول . وليس المعنى : من أعرض عن أن يذكرني ، بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره .
وأحسن من هذا الوجه أن يقال : الذكر هنا مضاف إضافة الأسماء لا إضافة المصادر إلى معمولاتها . والمعنى : من أعرض عن كتابي ولم يتبعه ، فإن القرآن يسمى ذكرا قال تعالى :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ
[ الأنبياء : 50 ] ، وقال تعالى :
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
( 58 ) [ آل عمران ] ، وقال تعالى :
وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
( 52 ) [ القلم ] ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ
( 41 ) [ فصلت ] ، وقال تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ
[ يس : 11 ] ، وعلى هذا فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي لا يقصد بها إضافة العامل إلى معموله ، ونظيره في إضافة اسم الفاعل :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ
[ غافر : 3 ] ، فإن هذه الإضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد ، وإنما قصد بها قصد الوصف الثابت اللازم ، وكذلك جرت أوصافا على أعرف المعارف ، وهو اسم اللّه تعالى في قوله تعالى :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
( 3 ) [ غافر ] .
وقوله تعالى :
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
فسرها غير واحد من السلف بعذاب القبر ، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة الدالة على عذاب القبر ، ولهذا قال :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
( 126 ) [ طه ] ، أي تترك في العذاب كما تركت العمل بآياتنا ، فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوار .
ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
فهذا البرزخ ،
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] فهذا في يوم القيامة الكبرى .
هامش
( 1 ) الفوائد ( 82 ) .