تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
من يقرأ ويهدي إلى الموتى ، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة ، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم ، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت ، بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم . ثم يقال لهذا القائل : لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال : اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت ، فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر ، فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم . فإن قيل : فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة ؟ قيل : هو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يبتدئهم بذلك ، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم ، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له ، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له ، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له ، ولم يمنعهم مما سوى ذلك . وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر ؟ والقائل : إن أحدا من السلف لم يفعل ذلك ، قائل ما لا علم له به ، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه ، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه ، بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط . وسر المسألة : أن الثواب ملك للعامل ، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه ، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه ، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء « 1 » .

شرط الواقف قراءة قرآن عند قبر

ومن ذلك « 2 » : أن يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، والناس لهم قولان : أحدهما : أن القراءة لا تصل إلى الميت ، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو بعيدا منه عند هؤلاء .
هامش
( 1 ) الروح ( 142 - 143 ) . ( 2 ) أي : من شروط الواقفين المخالفة للشرع .