فلما خرجنا من المقابر ، قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل : يا أبا عبد اللّه ، ما تقول في مبشر الحلبي ؟ قال : ثقة ، قال : كتبت عنه شيئا ، قال : نعم فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن ابن العلاء بن اللجلاج عن أبيه : أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها ، وقال : سمعت ابن عمر يوصي بذلك ، فقال له أحمد : فارجع ، وقل للرجل يقرأ .
وقال الحسن بن الصباح الزعفراني سألت الشافعي عن القراءة على القبر قال : لا بأس بها .
وذكر الخلال عن الشعبي قال : كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن .
قال : وأخبرني أبو يحيى الناقد سمعت الحسن بن الجروي يقول : مررت على قبر أخت لي فقرأت عندها « تبارك » ؛ لما يذكر فيها ، فجاءني رجل فقال : إني رأيت أختك في المنام تقول : جزى اللّه أبا علي خيرا فقد انتفعت بما قرأ . أخبرني الحسن بن الهيثم قال : سمعت أبا بكر بن الأطروش ابن بنت أبي نصر بن التمار يقول : كان رجل يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة فيقرأ سورة يس ، فجاء في بعض أيامه فقرأ سورة يس ثم قال : اللهم إن كنت قسمت لهذه السورة ثوابا فاجعله في أهل هذه المقابر ، فلما كان يوم الجمعة التي تليها جاءت امرأة فقالت : أنت فلان بن فلانة ؟ قال : نعم ، قالت : إن بنتا لي ماتت فرأيتها في النوم جالسة على شفير قبرها فقلت : ما أجلسك هاهنا ؟ فقالت : إن فلان بن فلانة جاء إلى قبر أمه فقرأ سورة يس وجعل ثوابها لأهل المقابر ، فأصابنا من روح ذلك أو غفر لنا أو نحو ذلك .
وفي النسائي وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اقرءوا « يس » عند موتاكم » « 1 » . وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله :
« لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » « 2 » . ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر ، والأول أظهر لوجوه :
الأول : أنه نظير قوله : « لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه » .
الثاني : انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله :
يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ
هامش
( 1 ) أبو داود ( 3121 ) في الجنائز ، باب : القراءة عند الميت ، والنسائي في الكبرى ( 10913 ) في عمل اليوم والليلة ، باب : ما يقرأ على الميت ، وانظر تخريجه مفصلا في : إرواد العليل ( 688 ) .
( 2 ) مسلم ( 916 / 1 ) في الجنائز ، باب : تلقين الموتى لا إله إلا الله ، وأبو داود ( 3117 ) في الجنائز ، باب : في التلقين .