تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
الأحكام والحكم والفوائد منه ، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء ، وهذا بمنزلة للحفظ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط ، فإنه بمنزلة إنبات الكلأ والعشب بالماء ، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء أهل الرواية والدراية . القسم الثاني : أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه ، ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه ، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه ، ويراعي حروفه وإعرابه ولم يرزق فيه فهما خاصا عن اللّه ، كما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه » . والناس متفاوتون في الفهم عن اللّه ورسوله أعظم تفاوت فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين ، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به ، هذا يشرب منه ، وهذا يسقى ، وهذا يزرع ، فهؤلاء القسمان هم السعداء ، والأولون أرفع درجة وأعلى قدرا
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
( 4 ) [ الحديد ] . القسم الثالث : الذين لا نصيب لهم منه لا حفظا ولا فهما ولا رواية ولا دراية ، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك الماء ، وهؤلاء هم الأشقياء . والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبله ووصل إليه ، فهذا يعلم ألفاظ القرآن ويحفظها ، وهذا يعلم معانيه وأحكامه وعلومه ، والقسم الثالث لا علم ولا تعليم ، فهم الذين لم يرفعوا بهدي اللّه رأسا ولم يقبلوه ، وهؤلاء شر من الأنعام ، وهو وقود النار . فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه ، وشقاء من ليس من أهله ، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم ، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد ، وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر بل أعظم ، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث . قال الإمام أحمد : الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب ؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين ، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس . وقد قال تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ
[ الرعد : 17 ] . شبه - سبحانه - العلم الذي أنزله على رسوله بالماء الذي أنزله من السماء لما يحصل لكل واحد منهما من