تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤

موانع الانتفاع بالقرآن

اعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء . فمن خواصه : أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره ، والعمل بما فيه ، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا لما بينهما من التضاد ، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ، ويأمر بالعفة ، ومجانبة شهوات النفس ، وأسباب الغي ، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان . والغناء يأمر بضد ذلك كله ، ويحسنه ، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي . فيثير كامنها ، ويزعج قاطنها ، ويحركها إلى كل قبيح ، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح . فهو والخمر رضيعا لبان ، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان . فإنه صنور الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه ، وخدينه وصديقه . عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ ، وهو جاسوس القلب . وسارق المروءة ، وسوس العقل ، يتغلغل في مكامن القلوب ، ويطلع على سرائر الأفئدة ، ويدب إلى محل التخيل . فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة . فبينما ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل ، وبهجة الإيمان ، ووقار الإسلام ، وحلاوة القرآن ، فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله ، وقل حياؤه ، وذهبت مروءته ، وفارقه بهاؤه ، وتخلى عنه وقاره ، وفرح به شيطانه ، وشكا إلى اللّه تعالى إيمانه ، وثقل عليه قرآنه ، وقال : يا رب ، لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد . فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه ، وأبدى من سره ما كان يكتمه وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب ، والزهزهة والفرقعة بالأصابع فيميل برأسه ، ويهز منكبيه ، ويضرب الأرض برجليه ، ويدق على أم رأسه بيديه ، ويثب وثبات الدباب ، ويدور دوران الحمار حول الدولاب ، ويصفق بيديه تصفيق النسوان ، ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران ، وتارة يتأوه تأوه الحزين ، وتارة يزعق زعقات المجانين « 1 » ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول :
أتذكر ليلة وقد اجتمعنا * على طيب السماع إلى الصباح ؟
ودارت بيننا كأس الأغاني * فأسكر النفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشاوى * سرورا ، والسرور هناك صاحي
إذا نادى أخو اللذات فيه * أجاب اللهو : حي على السماح
هامش
( 1 ) تعليق مطابق للواقع وذلك حال الشباب .