تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
وبالجملة ، فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء ، وحال أهل الذكر والقرآن ، تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب ، وأدويتها ، وباللّه التوفيق « 1 » . باب : منه انظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت عن واجبها وتدبرها وتعقلها ، وفهم ما أريد بكل آية ، وحظك من الخطاب بها ، وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها ، كيف تدرك الخدمة أو أكثرها ، أو ما قرأت منها ، بسهولة وخفة ، مستكثرا من القراءة . فإذا ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد ، والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به ، وتنزيل دوائه على أدواء قلبك ، والاستشفاء به ، لم تكد تجوز السورة أو الآية إلى غيرها « 2 » .

أسباب تفاوت الناس في فهم القرآن

في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس ، فشربوا منها وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان ، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » « 3 » . شبه صلّى اللّه عليه وسلّم العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكاء واحد منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد ، فإنها بالعلم والمطر ، وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر ؛ لأنها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع ، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته . ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه ، واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده : أحدها : أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه ، وفهموا معانيه ، واستنبطوا وجوه
هامش
( 1 ) إغاثة اللهفان ( 248 - 251 ) . ( 2 ) مدارج السالكين ( 1 / 258 ) . ( 3 ) البخاري ( 79 ) في العلم ، باب : فضل من علم وعلّم ، ومسلم ( 2282 / 15 ) في الفضائل ، باب : بيان مثل ما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الهدى والعلم .