تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
ولم نملك سوى المهجات شيئا * أرقناها لألحاظ الملاح
وقال بعض العارفين : السماع يورث النفاق في قوم ، والعناد في قوم ، والكذب في قوم ، والفجور في قوم ، والرعونة في قوم . وأكثر ما يورث عشق الصور ، واستحسان الفواحش ، وإدمانه يثقل القرآن على القلب ، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية ، وإن لم يكن هذا نفاقا فما للنفاق حقيقة . وسر المسألة : أنه قرآن الشيطان فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا . وأيضا ، فإن أساس النفاق : أن يخالف الظاهر الباطن ، وصاحب الغناء بين أمرين ، إما أن يتهتك فيكون فاجرا ، أو يظهر النسك فيكون منافقا ، وفإنه يظهر الرغبة في اللّه والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات ، ومحبة ما يكرهه اللّه ورسله : من أصوات المعازف ، وآلات اللهو ، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه ، فقلبه بذلك معمور ، وهو من محبة ما يحبه اللّه ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر ، وهذا محض النفاق . وأيضا ، فإن الإيمان قول وعمل : قول بالحق ، وعمل بالطاعة . وهذا ينبت على الذكر ، وتلاوة القرآن . والنفاق قول الباطل ، وعمل البغي ، وهذا ينبت على الغناء . وأيضا ، فمن علامات النفاق : قلة ذكر اللّه ، والكسل عند القيام إلى الصلاة ، ونقر الصلاة ، وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه . وأيضا ، فإن النفاق مؤسس على الكذب ، والغناء من أكذب الشعر ، فإنه يحسن القبيح ويزينه ، ويأمر به ، ويقبح الحسن ويزهد فيه ، وذلك عين النفاق . وأيضا ، فإن النفاق غش ومكر وخداع ، والغناء مؤسس على ذلك . وأيضا ، فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح ، كما أخبر اللّه سبحانه بذلك عن المنافقين ، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه ، والمغني يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات ، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات . قال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب ، مسخطة للرب . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي ، التي بدؤها من الشيطان ، عاقبتها سخط الرحمن . فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم : أن صوت المعازف ، واستماع الأغاني ، واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء . فالغناء يفسد القلب ، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق .