تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
فهذه ستة أمور ، ضروري للعبد معرفتها ، ومشاهدتها ومطالعتها : فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها ، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها . وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم ؛ فتريه الحق حقا ، والباطل باطلا ، وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال ، والغي والرشاد ، وتعطيه قوة في قلبه ، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا ؛ فيصير في شأن والناس في شأن آخر . فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه ، والعلم باللّه وما له من أوصاف الكمال ، وما ينزه عنه من سمات النقص . وعلى الإيمان بالرسل ، وذكر براهين صدقهم ، وأدلة صحة نبوتهم ، والتعريف بحقوقهم ، وحقوق مرسلهم . وعلى الإيمان بملائكته ، وهم رسله في خلقه وأمره ، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته ، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي . وما يختص بالنوع الإنساني منهم ، من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه . وعلى الإيمان باليوم الآخر ، وما أعد اللّه فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق ، التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد وتنغيص ، وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل ، التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح . وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه ، وعلى تفاصيل الأمر والنهي ، والشرع والقدر ، والحلال والحرام ، والمواعظ والعبر ، والقصص والأمثال ، والأسباب والحكم ، والمبادئ والغايات ، في خلقه وأمره . فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل ، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل ، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل . وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل ، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل ، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل ، وتبصره بحدود الحلال والحرام . وتوقفه عليها ؛ لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل . وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل ، وتسهل عليه الأمور الصعاب ، والعقبات الشاقة غاية التسهيل ، وتناديه كلما فترت عزماته ، وونى في سيره تقدم الركب وفاتك الدليل ؛ فاللحاق اللحاق ، والرحيل الرحيل ، وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل ، وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو ، أو قاطع من قطاع الطريق نادته : الحذر
البدائع في علوم القرآن — صفحة 443 | ابن قيم الجوزية