الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( 6 ) [ سبأ ] فكل مؤمن يرى هذا . ولكن رؤية أهل العلم له لون ، ورؤية غيرهم له لون أخر .
قال صاحب « المنازل » : « أبنية التذكر ثلاثة : الانتفاع بالعظة ، والاستبصار بالعبرة ، والظفر بثمرة الفكرة » .
والانتفاع بالعظة : هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء . فيتحرك للعمل ، طلبا للخلاص من الخوف ، ورغبة في حصول المرجو .
و « العظة » هي الأمر والنهي ، المعروف بالترغيب والترهيب .
و « العظة » نوعان : عظة بالمسموع ، وعظة بالمشهود ، فالعظة بالمسموع : الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد ، والنصائح التي جاءت على لسان الرسل وما أوحى إليهم وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا .
و « العظة » بالمشهود : الانتفاع بما يراه ويشهده في العلم من مواقع العبر ، وأحكام القدر ، ومجاريه ، وما يشاهده من آيات اللّه الدالة على صدق رسله .
وأما استبصار العبرة : فهو زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار ؛ لأن التذكر يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر ، فهو يظفر بها بالتفكر . وتنصقل له وتنجلي بالتذكر . فيقوي العزم على السير بحسب قوة الاستبصار ؛ لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور . فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه . وكلما اشتغل الفكر به ازداد الشعور به والبصيرة فيه . والتذكر له .
وأما الظفر بثمرة الفكرة ، فهذا موضع لطيف .
وللفكرة ثمرتان : حصول المطلوب تاما بحسب الإمكان ، والعمل بموجب رعاية لحقه ، فإن القلب حال التفكر كان قد كلّ بأعماله في تحصيل المطلوب .
فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب ، واستراح العقل : عاد فتذكر ما كان حصله وطالعه ، فابتهج به وفرح به . وصحح في هذا المنزل ما كان فإنه في منزل التفكر ؛ لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر ، الذي هو أعلى منه ؛ فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه ، فإن العمل الصالح : هو ثمرة العلم النافع ، الذي هو ثمرة التفكر .
وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي ؛ فطالب المال ما دام جادا في طلبه ، فهو في كلال