تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
عبد الرحمن ، هكذا تقرأ سورة هود ؟ ! واللّه إني فيها منذ ستة أشهر ، وما فرغت من قراءتها « 1 » .

علاج المدبر عن سماع القرآن

إذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق ، فهلم نحاكمك إلى ذوق لا ننكره نحن ولا أنت ، غير هذه الأذواق التي ذكرناها . فالقلب يعرض له حالتان : حالة حزن وأسف على مفقود ، وحالة فرح ورضى بموجود ، وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان . وله بمقتضى الحالة الأولى : عبودية الرضاء ، وهي للسابقين . والصبر ، وهي لأصحاب اليمين . وله بمقتضى الحالة الثانية : عبودية الشكر ، والشاكرون فيها أيضا نوعان : سابقون وأصحاب يمين . فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين ، بصوتين أحمقين فاجرين ، هما للشيطان لا للرحمن : صمت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب ، وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين . وقد أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي اللّه عنه : « إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت ويل عند مصيبة ، وصوت مزمار عند نعمة » « 2 » . ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة ، وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي ، وقل مشربه من العين المحمدية ، وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة . ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم ، وكثافة حجبهم ، وغلظة طباعهم ، وثقل أرواحهم . وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم ؛ وانقيادا للواعج الحب ، وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى « 3 » ومعاهدها التي سبيت منها ، والنفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها ، وحاد يحدوها . وليس لها من
هامش
( 1 ) زاد المعاد ( 1 / 337 - 340 ) . ( 2 ) الترمذي ( 1005 ) في الجنائز ، باب : ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت ، وقال : « هذا حديث حسن » . ( 3 ) إن الذي يتحرك عند سماع الغناء والموسيقى ، ويطرب ويستيقظ ويتلذذ : هو النفس البهيمية ، لا النفس الإنسانية . ولذلك استدلوا عليه بما تجده البهائم والطيور والوحوش عند سماعها للغناء والموسيقى والحداء ، فهي تتحرك حركة بهيمية لا تجد من الإنسانية الكريمة المفكرة المميزة يقظة ورشدا تكبح به