عبد الرحمن ، هكذا تقرأ سورة هود ؟ ! واللّه إني فيها منذ ستة أشهر ، وما فرغت من قراءتها « 1 » .
علاج المدبر عن سماع القرآن
إذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق ، فهلم نحاكمك إلى ذوق لا ننكره نحن ولا أنت ، غير هذه الأذواق التي ذكرناها .
فالقلب يعرض له حالتان : حالة حزن وأسف على مفقود ، وحالة فرح ورضى بموجود ، وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان .
وله بمقتضى الحالة الأولى : عبودية الرضاء ، وهي للسابقين . والصبر ، وهي لأصحاب اليمين .
وله بمقتضى الحالة الثانية : عبودية الشكر ، والشاكرون فيها أيضا نوعان : سابقون وأصحاب يمين . فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين ، بصوتين أحمقين فاجرين ، هما للشيطان لا للرحمن : صمت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب ، وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين .
وقد أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي اللّه عنه : « إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت ويل عند مصيبة ، وصوت مزمار عند نعمة » « 2 » .
ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة ، وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي ، وقل مشربه من العين المحمدية ، وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة . ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم ، وكثافة حجبهم ، وغلظة طباعهم ، وثقل أرواحهم . وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم ؛ وانقيادا للواعج الحب ، وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى « 3 » ومعاهدها التي سبيت منها ، والنفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها ، وحاد يحدوها . وليس لها من
هامش
( 1 ) زاد المعاد ( 1 / 337 - 340 ) .
( 2 ) الترمذي ( 1005 ) في الجنائز ، باب : ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت ، وقال : « هذا حديث حسن » .
( 3 ) إن الذي يتحرك عند سماع الغناء والموسيقى ، ويطرب ويستيقظ ويتلذذ : هو النفس البهيمية ، لا النفس الإنسانية . ولذلك استدلوا عليه بما تجده البهائم والطيور والوحوش عند سماعها للغناء والموسيقى والحداء ، فهي تتحرك حركة بهيمية لا تجد من الإنسانية الكريمة المفكرة المميزة يقظة ورشدا تكبح به