الثاني : رجل له قلب حيّ مستعد ، لكنه غير مستمع للآيات المتلوة ، التي يخبر بها اللّه عن الآيات المشهودة : إما لعدم ورودها أو لوصولها إليه ، ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها فهو غائب القلب ، ليس حاضرا ، فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى ، مع استعداده ووجود قلبه .
والثالث : رجل حي القلب مستعد ، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه ، فهو شاهد القلب ملق السمع ، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة فالأول : بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر .
والثاني بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه ، فكلاهما لا يراه .
والثالث بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور ، وأتبعه بصره ، وقابله على توسط من البعد والقرب . فهذا هو الذي يراه .
فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور .
فإن قيل : فما موقع « أو » من هذا النظم على ما قررت ؟
قيل : فيها سر لطيف ، ولسنا نقول : إنها بمعنى الواو . كما يقوله ظاهرية النحاة .
فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر ، واستنباط الحكم . فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار . فإذا سمع الآيات كانت له نورا على نور . وهؤلاء أكمل خلق اللّه وأعظمهم إيمانا وبصيرة حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد لهم ، لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه . حتى قيل : إن مثل حال الصديق مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . كمثل رجلين دخلا دارا . فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته . والآخر : وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته . لكن علم أن فيها أمورا عظيمة ، لم يدرك بصره تفاصيلها . ثم خرجا . فسأله عما رأى في الدار ؟ فجعل كلما أخبره بشيء صدقه ، لما عنا ، من شواهده .
وهذه أعلى درجات الصدوقية . ولا تستبعد أن يمن اللّه المنان على عبد بمثل هذا الإيمان .
فإن فضل اللّه لا يدخل تحت حصر ولا حسبان .
فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة : ازداد بها نورا على نوره ، فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ
[ البقرة : 265 ] ، والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها ، وموجباتها . وأهل الجنة سابقون مقربون ، وأصحاب يمين ، وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما ، حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجا ، قال اللّه تعالى :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ