تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وتعب ، حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب ، وقدم من سفر التجارة . فطالع ما حصله وأبصره ، وصحح في هذا الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب ، فإذا صح له وبردت غنيمته له ، أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه ، واللّه أعلم « 1 » .

فوائد تدبر القرآن

التأمل في القرآن ، هو تحديق ناظر القلب إلى معانيه ، وجمع الفكر على تدبره وتعقله . وهو المقصود بإنزاله ، لا مجرد تلاوته بلا فهم ، ولا تدبر . قال اللّه تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 29 ) [ ص ] . وقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) [ محمد ] . وقال تعالى :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
[ المؤمنون : 68 ] . وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 3 ) [ الزخرف ] . وقال الحسن : نزل القرآن ليتدبر ويعمل به ؛ فاتخذوا تلاوته عملا فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده ، وأقرب إلى نجاته : من تدبر القرآن ، وإطالة التأمل ، وجمع فيه الفكر على معاني آياته ، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما ، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغايتهما وثمراتهما ، ومآل أهلهما . وتتل « 2 » في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة ، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه ، وتشيد بنيانه ، وتوطد أركانه ، وتريه صورة الدنيا والآخرة ، والجنة والنار في قلبه ، وتحضره بين الأمم ، وتريه أيام اللّه فيهم ، وتبصره مواقع العبر ، وتشهده عدل اللّه وفضله . وتعرفه ذاته ، وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطريق وآفاتها . وتعرفه النفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال مصححاتها ، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم ، وأحوالهم وسيماهم ، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه ، وافتراقهم فيما يفترقون فيه . وبالجملة ، تعرفه الرب المدعو إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه . وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشيطان ، والطريق الموصلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه .
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 440 - 445 ) . ( 2 ) تل الشيء في يده ، بالمثناة الفوقية المفتوحة : وضعه فيها ( لسان العرب : تلل ) .