مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها . وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه ، وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه ، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا مكينا لا يناله هواء يفسده ، ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه ولا آفة تتسلط عليه . ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها ، ثم جعله عظاما مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها . وانظر كيف قسم تلك الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعظام والعروق والأوتار ، واليابس واللين ، وبيّن ذلك . ثم كيف ربط بعضها ببعض أقوى رباط وأشده وأبعده عن الانحلال . وكيف كساها لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة له مقيمة له ، فاللحم قائم بها وهي محفوظة به وكيف صورها فأحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ « 1 » .
ولهذا كانت آيات اللّه المتلوة والمشهودة ذكرى كما قال في المتلوة :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ( 53 ) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 54 ) [ غافر ] ، وقال عن القرآن :
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
( 48 ) [ الحاقة : 48 ] ، وقال في آياته المشهودة :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
( 8 ) [ ق : 6 - 8 ] فالتبصرة آلة البصر و « التذكرة » آلة الذكر ، وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة . لأن العبد إذا أناب إلى اللّه أبصر مواقع الآيات والعبر ، فاستدل بها على ما هي آيات له . فزال عنه الإعراض بالإنابة ، والعمى بالتبصرة ، والغفلة بالتذكرة . لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها ، فترتب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره .
وقال تعالى في آياته المشهورة :
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 37 ) [ ق :
36 - 37 ] ، والناس ثلاثة : رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه .
هامش
( 1 ) مفتاح دار السعادة ( 1 / 188 - 189 ) . وقد ذكر ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ذلك فصلا ممتعا فانظره .