تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء : آخر أمر المتكلمين الشك ، وآخر أمر المتصوفين الشطح . والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين في هذه المطالب التي هي أعلى مطالب العباد ، ولذلك أنزله من تكلم به ، وجعله شفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين . وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب ، والتزهيد في الدنيا ، والترغيب في الآخرة ، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار ، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده ، ويرغب عما يضره ، فيصير القلب محبا للرشد ، مبغضا للغي ، فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة ، فيصلح القلب ، فتصلح إرادته ، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها ، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية ، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي ، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق ، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن . وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل سوى المحض شيئا واستراحت عواذله « 1 » . فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ، ويؤيده ، ويسره وينشطه ، ويثبت ملكه ، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه . وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى فينمو ويزيد ، حتى يكمل ويصلح ، فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره ، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ، ومنع ما يضره فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ، ولا يتم صلاحه إلا بذلك ، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن ، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير ، لا يحصل له به تمام المقصود ، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين ، فحينئذ يقال : زكا الزرع وكمل « 2 » .

الآيات والسور التي يعتصم بها العبد من الشيطان ويستدفع بها شره ويحترز بها منه

وذلك عشرة أسباب : أحدها : الاستعاذة باللّه من الشيطان ، قال تعالى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 36 ) [ فصلت ] ، وفي موضع آخر
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ الأعراف : 200 ] وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام . وتأمل سر
هامش
( 1 ) المحض : اللبن الخالص . ( 2 ) إغاثة اللهفان ( 1 / 44 - 46 ) .