ومعرفة المراد منه . فمن رزقه اللّه تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه ، كما يرى الليل والنهار ، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم : بين علوم لا ثقة بها ، وإنما هي آراء وتقليد ، وبين ظنون كاذبة لا تغني عن الحق شيئا ، وبين أمر صحيحة لا منفعة للقلب فيها ؛ وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها ، وأطالوا الكلام في إثباتها ، ومع قلة نفعها . فهي : « لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل فيرتقى ، ولا سمين فينتقل » « 1 » .
وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا ، فليس عندهم إلا التكليف والتطويل والتعقيد ، كما قيل :
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت * كتب التناظر ، لا المغني ولا العمد
يحللون بزعم منهم عقدا * وبالذي وضعوه زادت العقد
فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك ، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك ، ومن المحال ألا يحصل الشفاء والهدى ؛ والعلم واليقين من كتاب اللّه تعالى وكلام رسوله ، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكين ، الذين أخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم ، حيث يقول :
نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلا ، ولا تروي غليلا . ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، أقرأ في الإثبات :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه ] ،
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] ، وأقرأ في النفي :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ،
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
( 110 ) [ طه : 110 ] . ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ، فهذا إنشاده وألفاظه في آخر كتبه . وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق في علم الكلام والفلسفة ، وكلام أمثاله في مثل ذلك كثير جدا ، قد ذكرنا في كتاب « الصواعق » وغيره .
هامش
( 1 ) من وصف المرأة الأولى لزوجها في حديث أم زرع الذي رواه البخاري ( 5189 ) في النكاح ، باب :
حسن المعاشرة مع الأهل .