ومصدرها منه ومردها إليه ، مستويا على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته ، عالما بما في نفوس عبيده ، مطلعا على أسرارهم وعلانيتهم ، منفردا بتدبير المملكة ، يسمع ويرى ، ويعطي ويمنع ، ويثيب ويعاقب ، ويكرم ويهين ، ويخلق ويرزق ، ويميت ويحيي ، ويقدر ويقضي ويدبر . الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها ، وصاعدة إليه لا تتحرك في ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه . فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ، ويحذرهم مما فيه هلاكهم ، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه . فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ، ويحذرهم من نقمه ، ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه ، وما أعلم لهم من العقوبة إن عصوه . ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء .
ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ، ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم وقبيح صفاتهم . ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ، ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ، ويقول الحق ويهدي السبيل . ويدعو إلى دار السلام ، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ، ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ، ويذكّر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ، ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات ، وأنه الغنى بنفسه عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته ، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته . ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب ، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع عنهم ، والمحامي عنهم ، والناصر لهم ، والكفيل بمصالحهم ، والمنجي لهم من كل كرب ، والموفي لهم بوعده . وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم على عدوهم ، فنعم المولى ونعم النصير .
فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا ، هذا شأنه ، فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ، ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه ؟ وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها ؟ « 1 » .
هامش
( 1 ) الفوائد ( 30 ) .