تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
وقال إسماعيل بن إسحاق : نحن نعلم أن عمر لا يقول : « لا ندع كتاب ربنا » إلا لما هو موجود في كتاب اللّه تعالى ، والذي في الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملا ، لقوله تعالى :
وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
[ الطلاق : 6 ] وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أنهن لا نفقة لهن ، لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق ، آخر كلامه . والذين ردوا كلام فاطمة هذا ظنوه معارضا للقرآن ، فإن اللّه تعالى قال :
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ
[ الطلاق : 6 ] وقال :
لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ
[ الطلاق : 1 ] ، وهذا لو كان كما ظنوه لكان في السكنى خاصة ، وأما إيجاب النفقة لها فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه لا نفقة لهنّ ، كما قال القاضي إسماعيل ؛ لأن اللّه - سبحانه وتعالى - شرط في وجوب الإنفاق أن يكن من أولات الحمل ، وهو يدل على أنها إذا كانت حائلا « 1 » فلا نفقة لها ، كيف وإن القرآن لا يدل على وجوب السكنى للمتبوبة بوجه ما ؟ فإن السياق كله إنما هو في الرجعية . ويبين ذلك قوله تعالى :
لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
( 1 ) [ الطلاق : 1 ] وقوله :
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
[ الطلاق : 2 ] وهذا في البائن مستحيل ، ثم قال :
أَسْكِنُوهُنَّ
واللاتي قال فيهن :
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
[ الطلاق : 2 ] قال فيهن :
أَسْكِنُوهُنَّ
[ الطلاق : 6 ] و
لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
[ الطلاق : 1 ] ، وهذا ظاهر جدا . وشبهة من ظن أن الآية في البائن قوله تعالى :
وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
[ الطلاق : 6 ] . قالوا : ومعلوم أن الرجعية لها النفقة ؛ حاملا كانت أم حائلا ، وهذا لا حجة فيه ، فإنه إذا أوجب نفقتها حاملا لم يدل ذلك على أنه لا نفقة لها إذا كانت حائلا ، بل فائدة التقييد بالحمل التنبيه على اختلاف جهة الإنفاق بسبب الحمل قبل الوضع وبعده ، فقبل الوضع لها النفقة حتى تضعه ، فإذا وضعته صارت النفقة بحكم الإجارة ورضاعة الولد ، وهذه قد يقوم غيرها مقامها فيه فلا تستحقها ، لقوله تعالى :
وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى
[ الطلاق : 6 ] ، وأما نفقة حال الحمل فلا يقوم غيرها مقامها فيه ، بل هي مستمرة حتى تضعه ، فجهة الإنفاق مختلفة . وأما الحائل فنفقتها معلومة من نفقة الزوجات ، فإنها زوجة ما دامت في العدة ، فلا حاجة إلى بيان وجوب نفقتها .
هامش
( 1 ) في المطبوعة « حاملا » .