تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
يوضحه الوجه الحادي عشر : أن الزيادة إن رفعت حكما خطابيا كانت نسخا ، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وحراحق لا ترفع حكم الخطاب ، وإن رفع حكم الاستصحاب . يوضحه الوجه الثاني عشر : أن ما ذكره من كون الأول جميع الواجب ، وكونه مجزئا وحده ، وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه ، إنما هو من أحكام البراءة الأصلية ، فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول ، ولا أريد به ، فإن معنى كون العبادة مجزئة : أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها ، وحط الذم عن فاعلها معناه : أنه قد خرج من عهدة الأمر ، فلا يلحقه ذم ، والزيادة - وإن رفعت هذه الأحكام - لم ترفع حكما دل عليه لفظ المزيد .

هل يجوز تخصيص كلام اللّه بحديث ؟

يوضحه الوجه الثالث عشر : أن تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله تعالى :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها » « 1 » وعموم قوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
[ النساء : 11 ] بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يرث المسلم الكافر » « 2 » ، وعموم قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ المائدة : 38 ] بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا قطع في ثمر ولا كثر » « 3 » ، ونظائر ذلك كثيرة ، فإذا جاز التخصيص وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ ، وهو نقصان من معناه ، فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله ، ولا نقصانه بطريق الأولى والأخرى .

عودة إلى حجج أن الزيادة لا توجب نسخا

الوجه الرابع عشر : أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة ، ولا شرعا ولا عرفا ولا عقلا ، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره ، أو ماله ، أو جاهه ، أو علمه ، أو ولده إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس . بل تقول في الوجه الخامس عشر : أن الزيادة قررت حكم المزيد ، وزادته بيانا وتأكيدا ، فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان ، قال تعالى
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
( 114 ) [ طه ] ، وقال :
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص ( 362 ) . ( 2 ) سبق تخريجه ص ( 362 ) . ( 3 ) الترمذي ( 1449 ) في الحدود ، باب : ما جاء لا قطع في الثمر ولا كثر ، وابن ماجة ( 2593 ) في الحدود ، باب : لا يقطع في ثمر ولا كثر .