تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
للقرآن بهذا المعنى ، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى ، بل هو متفق عليه بين الناس ، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته ، بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع البتة ، وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين ، وهو رفع الحكم بجملته تارة ، وتقييد مطلقه ، وتخصيص عامه ، وزيادة شرط ، أو مانع تارة كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين : مقبولا ، ومردودا كما تبين ، فليس الشأن في الألفاظ فسموا الزيادة ما شئتم ؛ فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه . يوضحه الوجه السابع : أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد ، لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ ، وقد جوزتم اقترانها به ، وقلتم : تكون بيانا أو تخصيصا ، فهلا كان حكمها مع التأخير كذلك ، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين ، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل ، وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق ، فهو منتقض بجواز ، بل وجوب تأخير الناسخ ، وعدم الإشعار بأنه سينسخه ، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ، ما لم يأت ما يرفعه ، أو يرفع ظاهره ، فحينئذ يعتقد موجبه كذلك ، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به ؛ إذ لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها . يوضحه الوجه الثامن : أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم ورود ما يرفع ظاهره ، كما يعتقد المنسوخ مؤيدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما يبطله ، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه . الوجه التاسع : أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا ، وإن تضمن رفع الإجزاء بدونه ، كما صرح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق ، فكذلك إيجاب كل زيادة ، بل أولى ألا تكون نسخا ، فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه ، وعن غيره ، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة . الوجه العاشر : أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخا ، وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة ، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئا بعد شيء ، وكل منها زائد على ما قبله ، وكان ما قبله جميع الواجب ، والإثم محطوط عمن اقتصر عليه ، وبالزيادة تغير هذان الحكمان ، فلم يبق الأول جميع الواجب ، ولم يحط الإثم عمن اقتصر عليه ، ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه ؛ إذ حكمه من الوجوب وغيره باق . فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد ، لا تكون نسخا له ، حيث لم ترفع حكمه بل هو باق على حكمه وقد ضم إليه غيره .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 376 | ابن قيم الجوزية