تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً
[ الأحزاب : 22 ] ، وقال :
وَزِدْناهُمْ هُدىً
( 13 ) [ الكهف ] ، وقال :
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
[ مريم : 76 ] ، فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيده قوة وتأكيدا وثبوتا ، فإن كانت متصلة به اتصال الجزاء والشرط ، كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد ، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول ، والفطرة من جعل الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له . الوجه السادس عشر : أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ، ولا المنع منه ، وذلك حقيقة النسخ ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته . الوجه السابع عشر : أنه لا بد في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ ، وامتناع اجتماعهما ، والزيادة غير منافية للمزيد عليه ، ولا اجتماعهما ممتنع . الوجه الثامن عشر : أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت إما نسخا بانفرادها عن المزيد ، أو بانضمامها إليه ، والقسمان محال ، فلا يكون نسخا ، أما الأول فظاهر فلأنها لا حكم لها بمفردها البتة ، فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه . وأما الثاني فكذلك أيضا ؛ لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد ، كان الشيء ناسخا لنفسه ، ومبطلا لحقيقته ، وهذا غير معقول . وأجاب بعضهم عن هذا : بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته ، وهذا الجواب لا يجدي عليهم شيئا ، والالزام قائم بعينه ، فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخ حكم نفسه ، وجعل نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزئ بعد أن كان مجزئا . الوجه التاسع عشر : أن النقصان من العبادة لا يكون نسخا لما بقي منها ، فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخا لها ، بل أولى لما تقدم . الوجه العشرون : أن نسخ الزيادة للمزيد عليه ، إما أن يكون نسخا لوجوبه أو لإجزائه ، أو لعدم وجوب غيره ، أو لأمر رابع ، وهذا كزيادة التغريب مثلا على المائة جلدة ، لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها ؛ فإن الوجوب بحاله ، ولا لإجزائها ، لأنها مجزئة عن نفسها ، ولا لعدم وجوب الزائد ، لأنه رفع حكم عقلي ، وهو البراءة الأصلية ، فلو كان رفعها نسخا كان كلما أوجب اللّه شيئا بعد الشهادتين ، قد نسخ به ما قبله ، والأمر الرابع غير متصور ولا معقول ، فلا يحكم عليه . فإن قيل : بل هاهنا أمر رابع معقول ، وهو الاقتصار على الأول ؛ فإنه نسخ بالزيادة ، وهذا غير الأقسام الثلاثة .