صرح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن ، فكيف يجوز رده بأنه مخالف للقرآن ، معارض له .
ويقال : لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن ، وهل هذا إلا قلب للحقائق ، فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضا ، لا يسعنا مخالفته ، فلو خالفناه لخالفنا القرآن ، ولخرجنا عن حكمه ولا بد ، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معا .
يوضحه الوجه الثاني : أن اللّه - سبحانه - نصّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منصب المبلغ المبين عنه ، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللّه أن هذا شرعه ودينه ، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع ، ومخالفة هذا كمخالفة هذا .
يوضحه الوجه الثالث : أن اللّه - سبحانه - أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ، وجاء البيان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمقادير ذلك وصفاته وشروطه ، فوجب على الأمة قبوله ؛ إذ هو تفصيل لما أمر اللّه به ، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل ، وهكذا أمر اللّه - سبحانه - بطاعته وطاعة رسوله ، فإذا أمر الرسول بأمر كان تفصيلا ، وبيانا للطاعة المأمور بها ، وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل ، ولا فرق بينهما .
أنواع بيان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم
يوضحه الوجه الرابع : أن البيان من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقسام :
أحدها : بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا .
الثاني : بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك ، كما بين أن الظلم المذكور في قوله :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] هو الشرك ، وأن الحساب اليسير هو العرض ، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل ، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى : هو جبريل .
كما فسر قوله :
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
[ الأنعام : 158 ] أنه طلوع الشمس من مغربها .
وكما فسر قوله :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
[ إبراهيم : 24 ] بأنها النخلة .
وكما فسر قوله :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ