تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
النص فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكرها ، وإن كانت بعده ، فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع ، فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخ به ، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخا ، وكانت بيانا .

فالجواب من وجوه :

أحدها : أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه ، فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر ، وهو زائد على ما في كتاب اللّه ، مغير لحكمه ؛ فإن اللّه سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم ، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ ، فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكم شرعي غير مقارنة له ، ولا مقاومة بوجه . وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي ، وهو اعتقاد كون الصلاة الخمس هي جميع الواجب ، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها ، وإجراء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة ، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن ، والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه ، أو أوثق منه ، أو نظيره ، والذي فرض علينا طاعة رسوله ، وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته ، وقبول قوله في هذه ، والذي قال لنا :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
[ الحشر : 7 ] هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه ، واللّه سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء ، كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه ، بل كلامه كله بيان عن اللّه ، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه . بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه ، وجدوا تصديقه في القرآن ، ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدا : إن هذا زيادة على القرآن ، فلا نقبله ، ولا نسمعه ، ولا نعمل به . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أجل في صدورهم ، وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر ، ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف ، وعدد ركعات الصلاة ، ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية ؛ فإن الجميع بيان لمراد اللّه أنه أوجب هذه العبادات على عباده على الوجه هذا . فهذا هو الوجه المراد ، فجاءت السنة بيانا للمراد في جميع وجوهها ، حتى في التشريع المبتدأ ، فإنها بيان لمراد اللّه من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله ، فلا فرق بين بيان هذا المراد ، وبين المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها ، بل هذا بيان المراد من شيء ، وذاك بيان المراد من أعم منه . فالتغريب بيان محض للمراد من قوله :
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
[ النساء : 15 ] ، وقد