تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي ، والهوى على العقل . وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه ، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد ، فلا إله إلا اللّه ! كما نفى بهذه الآراء من حق ، وأثبت بها من باطل ، وأميت بها من هدى ، وأحيى بها من ضلالة ، وكم هدم بها من معقل الإيمان ، وعمر بها من دين الشيطان . وأكثر أصحاب الجحيم . هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ، ولا عقل بل هم شر من الحمر ، وهم الذين يقولون يوم القيامة :
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ الملك : 10 ] . النوع الرابع : الرأي الذي أحدثت به البدع ، وغيرت به السنن ، وعم به البلاء وتربى عليه الصغير ، وهرم فيه الكبير ، فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها ، على ذمه وإخراجه من الدين . النوع الخامس : ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعن أصحابه والتابعين رضي اللّه عنهم ، أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون ، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ، ورد الفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها على أصولها ، والنظر في عللها واعتبارها ، فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل ، وفرعت وشقت قبل أن تقع ، وتكلم فيها قبل أن يكون بالرأي المضارع للظن ، قالوا : وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها ، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ، ومن كتاب اللّه عز وجلّ ومعانيه ، احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء . ثم ذكر من طريق أسد بن موسى : ثنا شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عمر قال : لا تسألوا عما لم يكن ؛ فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن . ثم ذكر من طريق أبي داود ، ثنا إبراهيم بن موسى الرازي ، ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عبد اللّه بن سعد عن الصنابحي عن معاوية أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الأغلوطات . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله ، وقال : فسره الأوزاعي : يعني صعاب المسائل . وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد اللّه بن سعد عن عبادة بن قيس الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده ، فقال : أتعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن عضل المسائل ؟ قال أبو عمر : واحتجوا أيضا بحديث سهل وغيره : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كره المسائل
البدائع في علوم القرآن — صفحة 352 | ابن قيم الجوزية