تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
[ البقرة : 222 ] ،
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
[ البقرة : 217 ] ،
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى
[ البقرة : 220 ] « 1 » ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم . قال أبو عمر : ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث . قلت : ومراد ابن عباس بقوله ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة ، المسائل حكاها اللّه في القرآن عنهم ، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها ، وبين لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى ، ولكن إنما كانوا يسألون عما ينفعهم من الواقعات ، ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات ، وعضل المسائل ، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها ، بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به ، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه ، فأجابهم . وقد قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ
( 102 ) [ المائدة ] . وقد اختلف في هذه الأشياء المسؤول عنها : هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية ؟ على قولين ، فقيل : إنها أحكام شرعية ، عفا اللّه عنها ، أي : سكت على تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها ، ولو لم يسألوا ، لكانت عفوا . ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم وقد سئل عن الحج : أفي كل عام ؟ فقال : « لو قلت نعم لوجبت ، ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم » « 2 » . ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة المذكور : « إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما » الحديث « 3 » ، ومنه الحديث الآخر : « إن اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان ، فلا تبحثوا عنها » « 4 » ، وفسرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية ، كقول عبد اللّه ابن حذافة : من أبي يا رسول اللّه ؟ « 5 » وقول آخر : أين أبي يا رسول اللّه ؟ قال : « في النار » « 6 » .
هامش
( 1 ) الطبراني في الكبير ( 12288 ) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 1 / 164 ) : « فيه عطاء بن السائب ، وهو ثقة ولكنه اختلط ، وبقية رجاله ثقات » . ( 2 ) سبق تخريجهما في الصفحة السابقة ، هامش ( 2 ، 3 ) . ( 3 ) سبق تخريجهما في الصفحة السابقة ، هامش ( 2 ، 3 ) . ( 4 ) البيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 12 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 115 ) وسكت عنه هو والذهبي . ( 5 ) البخاري ( 92 ) في العلم ، باب : الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره ، ومسلم ( 6078 / 138 ) في الفضائل ، باب : توقيره صلّى اللّه عليه وسلّم وترك إكثار سؤاله . . . إلخ . ( 6 ) مسلم ( 203 / 347 ) في الإيمان ، باب : بيان أن من مات على الكفر فهو في النار . . . إلخ .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 354 | ابن قيم الجوزية