تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠

التفسير بالرأي

الرأي في الأصل مصدر ، رأى الشيء يراه رأيا ، ثم غلب استعماله على المرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول . كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه هوى ، ثم استعمل في الشيء الذي يهوى ، فيقال : هذا هوى فلان ، والعرب تفرق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها ، فتقول : رأى كذا في النوم رؤيا ، ورآه في اليقظة رؤية ، ورأى كذا لما يعلم بالقلب ، ولا يرى بالعين رأيا ، ولكنهم خصوه بما يراه القلب ، بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب ، مما تتعارض فيه الأمارات ، فلا يقال لمن رأى أمرا غائبا عنه مما يحس به أنه رأيه ، ولا يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ، ولا تتعارض فيه الأمارات أنه رأى ، وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها .

أقسام الرأي

وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام : رأي باطل بلا ريب ، ورأي صحيح ، ورأي هو موضع الاشتباه . والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف ، فاستعملوا الرأي الصحيح ، وعملوا به ، وأفتوا به ، وسوغوا القول به . وذموا الباطل ، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به ، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله . والقسم الثالث سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه ، حيث لا يوجد منه بدو لم يلزموا أحدا العمل به ، ولم يحرموا مخالفته ، ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين ، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده ، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه . كما قال الإمام أحمد : سألت الشافعي عن القياس فقال لي : عند الضرورة . وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار ، وكان أسهل عليهم من حفظها . كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه ، وتعسر حفظه ، فلم
البدائع في علوم القرآن — صفحة 350 | ابن قيم الجوزية