يتعدوا في استعماله قدر الضرورة ، ولم يبغوا بالعدل إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار ، كما قال اللّه تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 173 ) [ البقرة ] ؛ فالباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكي ، والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها .
فالرأي الباطل أنواع :
أحدها : الرأي المخالف للنص : وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه ، ولا تحل الفتيا به ، ولا القضاء وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد .
النوع الثاني : هو الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها ، واستنباط الأحكام منها . فإن من جهلها وقاس برأيه ، فما سئل عنه بغير علم ، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما ، يفرق بينهما في الحكم من غير نظر إلى النصوص والآثار ، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل .
فصل وأصل النوع الثالث : الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة ، التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ، ومن ضاهاهم .
حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة ، وآراءهم الباطلة ، وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة ، فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها ، وتخطئتهم ، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلا ، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب ، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل .
فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده ، وأنكروا مباينته للعالم ، واستواءه على عرشه ، وعلوه على المخلوقات وعموم قدرته على كل شيء ، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها . ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله ، وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها ، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته : أنه ذبالة الأذهان ، ونخالة الأفكار ، وعفارة الآراء ، ووساوس الصدور ، فملئوا به الأوراق سوادا ، والقلوب شكوكا والعالم فسادا .