تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
إلى أن قال : ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنا لا قطعا ، فإن كان فتح هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بدع صاحبه ، وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره ، وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع . وقال أيضا : كل ما يحتمل التأويل في نفسه ، وتواتر نقله ، ولم يتصور أن يقوم على خلافه برهان ، فمخالفته تكذيب محض ، وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد ، فإن كان برهانه قاطعا وجب القول به ، وإن كان البرهان يفيد ظنا غالبا ، ولا يعظم ضرره في الدين فهو بدعة ، وإن عظم ضرره في الدين فهو كفر . قال : ولم تجر عادة السلف بهذه المجادلات ، بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ، ويشتغل بالبحث والسؤال . وقال أيضا : الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف . والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع ، وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها . قال : وقال شيخنا أبو المعالي : يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك . انتهى . وقال بعض أهل العلم : كيف لا يخشى الكذب على اللّه ورسوله ، من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية ؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال اللّه فيهم :
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
[ الأنبياء : 18 ] . قال الحسن : هي واللّه لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة ، هل يأمن أن يتناول قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
[ الأعراف : 152 ] . قال ابن عيينة : هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة ، وقد نزه سبحانه نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلّا المرسلين فإنهم إنما يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به ؛ فقال تعالى :
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
( 181 ) [ الصافات ] ، وقال تعالى :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
( 160 ) [ الصافات ] . ويكفي المتأولين كلام اللّه ورسوله بالتأويلات التي لم يردها ، ولم يدل عليها كلام اللّه أنهم قالوا برأيهم على اللّه ، وقدموا آراءهم على نصوص الوحي ، وجعلوها عيارا على كلام اللّه ورسوله ، ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة . وأي بناء للإسلام هدموا بها ، وأي معاقل وحصون استباحوها ؛ لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى