تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وما الذي أراق دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل ؟ وما الذي أراق دم ابن الزبير ، وحجر بن عدي ، وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل ؟ وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل ؟ وما الذي جرد الإمام أحمد بين العقابين ، وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل ؟ وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي ، وخلد خلقا من العلماء في السجون حتى ماتوا غير التأويل ؟ وما الذي سلط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل ؟ وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل ؟ وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم اللّه في تعليمه عبادة البيان الذي امتن اللّه في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه ؛ فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين . وهل فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن اللّه وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله ، ولكن هذا رد جحود ومعاندة ، وذاك رد خداع ومصانعة .

رأي ابن رشد في التأويل

قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى ب « الكشف عن مناهج الأدلة » . وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة ، إلى أن قال :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
[ آل عمران : 7 ] ، وهؤلاء أهل الجدل والكلام ، وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره ، وقالوا : إن هذا التأويل هو المقصود به ، وإنما أمر اللّه به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ، ونعوذ باللّه من سوء الظن باللّه بل نقول : إن كتاب اللّه العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان . فما أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه : إنه متشابه ، ثم أول ذلك المتشابه بزعمه ، وقال لجميع الناس : إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل ، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا : إن ظاهره متشابه ، ثم قال : وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تأملت وجدت ليس يقوم عليها برهان .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 340 | ابن قيم الجوزية