رأي الجويني في الكف عن التأويل
وقال أبو المعالي الجويني في « الرسالة النظامية ، في الأركان الإسلامية » : ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى . والذي نرتضيه رأيا ، وندين اللّه به عقد اتباع سلف الأمة : فالأولى : الاتباع ، وترك الابتداع ، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة ، وقد درج صحب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ، ودرك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام ، والمستقلون بأعباء الشريعة ، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها . ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين لهم على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع .
فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تعالى . وعند إمام القراء وسيدهم الوقوف على قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[ آل عمران : 7 ] من العزائم ، ثم الابتداء بقوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
[ آل عمران : 7 ] .
ومما استحسن من كلام مالك أنه سئل عن قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] كيف استوى ؟ فقال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، فلتجر آية الاستواء والمجيء ، وقوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ، وقوله :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] ، وقوله :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 14 ] وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا ، انتهى كلامه .
رأي الغزالي في التأويل
وقال أبو حامد الغزالي : الصواب للخلف سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل ، وما قاله اللّه ورسوله ، بلا بحث وتفتيش .
وقال في كتاب « التفرقة » : الحق : الاتباع والكف عن تغيير الظاهر رأسا ، والحذر عن اتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة ، وحسم باب السؤال رأسا ، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث . . .