الأرض أحب إليه من أن يتعاطى شيئا من ذلك .
فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو ، وقال : ما الذي حرم عليّ التأويل وأباحه لكم ؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد ، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات ، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين ، وقالوا : كيف نحن نعاقب على تأويلنا . وتؤجرون أنتم على تأويلكم ؟
قالوا : ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد ، ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد ؟
وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ( رضي اللّه عنهم ) ، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة ، وكذلك القدرية في نصوص القدر ، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم ، وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب ، وطمت الوادي على القرى « 1 » ، وتأولت الدين كله .
فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللّه ورسوله بكلامه ، ولا دلّ عليه أنه مراده ، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلّا بالتأويل ؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلّا بالتأويل ؟ فمن بابه دخل إليها ، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلّا بالتأويل ؟
التأويل عدوّ كل الأديان
وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط ، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل ، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلّا رب العباد .
وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم في الكتب المتقدمة ، ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها ، كما أخبر سبحانه عنهم من التحريف والتبديل والكتمان . فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها ، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر ، والكتمان جحده . وهذه الأدواء الثلاثة منها غيّرت الأديان والملل ، وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في شيء من
هامش
( 1 ) طم الماء : غمر ، وطم الإناء : ملأه ، والقرى كغنى : ميل من التلاع ، أو موقعه من الربو في الروضة .
( مصدر ) .