تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
به ، وبرسوله ، أو كتابه رأسا ، ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه ، ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها ، بل بدلها كفرا ، فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه اللّه - سبحانه - فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين . ثم أخبر - سبحانه - عن الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم فقال :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا
[ التوبة : 47 ] . والخبال : الفساد والاضطراب ، فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم ، فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف . قال ابن عباس : ما زادوكم إلا خبالا وعجزا وجبنا ، يعني : يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم ، وتعظيمهم في صدورهم . ثم قال :
وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ
أي : أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق والإفساد . قال ابن عباس : يريد : ضعفوا شجاعتكم ، يعني : بالتفريق بينهم لتفرق الكلمة فيجبنوا عن العدو . وقال الحسن : لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البين . وقال الكلبي : ساروا بينكم يبغونكم العيب ، قال امرؤ القيس :
أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب
أي مسرعين ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :
تبا لهن بالعرفان لما عرفنني * وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا
أي : أسرع حتى كلت مطيته :
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
[ التوبة : 47 ] . قال قتادة : وفيكم من يسمع كلامهم ، ويطيعهم . وقال ابن إسحاق : وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم . ومعناه على هذا القول : وفيكم أهل سمع وطاعة لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم . قلت : فتضمن « سماعين » معنى « مستجيبين » . وقال مجاهد وابن زيد والكلبي : المعنى : وفيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم ، أي : جواسيس . والقول هو الأول ، كما قال تعالى :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
[ المائدة : 41 ] أي : قابلون له ، ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين ، فإن المنافقين ، كانوا مختلطين بالمؤمنين ، ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم ، ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم ، فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة ،
البدائع في علوم القرآن — صفحة 304 | ابن قيم الجوزية