وأيضا فتزيينه - سبحانه - للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته ، وإيثار سيئ العمل على حسنه ، فإنه لا بد أن يعرفه - سبحانه - المسئ من المحسن ، فإذا آثر القبيح ، واختاره ، وأحبه ورضيه لنفسه زينه اللّه له ، وأعماه عن رؤية قبيحة بعد أن رآه قبيحا .
وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه اللّه تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا ، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما رآه حسنا عقوبة له ، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه ، وهو حجة اللّه عليه ، فإذا تمادى في غية وظلمه ذهب ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم .
ومع هذا فحجة اللّه قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول ، فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة ، وتزيين الشيطان إغواء وظلم ، وهو السبب الخارج عن العبد ، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه .
والرب - سبحانه - خالق الجميع - والجميع واقع بمشيئته وقدرته ، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين . والمعصوم من عصمه اللّه ، والمخذول من خذله اللّه
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : 54 ] .
فصل
وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
[ المائدة 41 ] .
وقال :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[ السجدة : 13 ]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
[ يونس : 99 ]
وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده ، كما أن مشيئته تستلزم وجوده ، فما شاء اللّه وجب وجوده ، وما لم يشأ امتنع وجوده .
وقد أخبر - سبحانه - أن العباد لا يشاءون إلا بعد مشيئته - ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته . فقال :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] ،
وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ المدثر : 56 ] .
فإن قيل : فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة اللّه له أن يفعله ؟
قيل : إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل ، وصحة أعضائه ،