تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
قيل : لعمر اللّه إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق المصدوق ، ولكن لم يجعل اللّه لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا مع ضعفها ، فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف ، بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة ، وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل ، ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم - فهل الذنب كل الذنب إلا على الشاة ! فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها ، وقد أراها مصارع الشاة التي انفردت عن الراعي ودخلت وادي الذئاب ؟ ! قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب « المجالسة » : سمعت ابن أبي الدنيا يقول : إن للّه سبحانه من العلوم ما لا يحصى ، ويعطى كل واحد من ذلك ما لا يعطى غيره . لقد حدثنا أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن سعيد القطان ، ثنا عبيد اللّه بن بكر السهمي عن أبيه أن قوما كانوا في سفر فكان فيهم رجل يمر بالطائر ، فيقول : أتدرون ما تقول هؤلاء ؟ فيقولون : لا ، فيقول : تقول : كذا وكذا ، فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب ، إلى أن مروا على غنم ، وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو ، فقال : أتدرون ما تقول هذه الشاة ؟ قلنا : لا ، قال : تقول للسخلة ؟ الحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان . قال : فانتهينا إلى الراعي فقلنا له : ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا ؟ قال : نعم ، ولدت سخلة عام أول فأكلها الذئب بهذا المكان . ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ، ويحنو عنقه إليها فقال : أتدرون ما يقول هذا البعير ؟ قلنا : لا ، قال : فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وهو في سنامه . قال : فانتهينا إليهم فقلنا : يا هؤلاء إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته ، ويزعم أنها رحلته على مخيط ، وأنه في سنامه ، قال : فأناخوا البعير وحطوا عنه فإذا هو كما قال . فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة فحذرت . وقد حذر اللّه - سبحانه - ابن آدم من ذئبه مرة بعد مرة ، وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه ، ويبيت معه ويصبح :
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 22 ) [ إبراهيم : 22 ] .